محمد جواد مغنية

29

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

وحكما كقولنا : الصلاة واجبة ، أو حكما لا موضوعا كالزنى حرام في دين اللّه . وإذا فقدت القضية هذه النسبة فما هي من الدين وشرعه في شيء ، وقضايا العبادات بكاملها شرعية وتوقيفية موضوعا وحكما ، فالشارع وحده يحدد موضوعها ويبين حكمها ، لأنه هو الذي صممها ورسمها واستحدثها بكامل ما فيها من شروط وأجزاء . أما قضايا المعاملات وما إليها فهي شرعية توقيفية في حكمها فقط . والموضوع يحدده الناس بلغة مصطلحاتهم وحوارهم حيث لا اختراع واصطلاح للشارع فيها ، وانما موقفه منها موقف التقرير أو الإلغاء أو التقليم والتطعيم . والعبادات التي تكلم عنها الفقهاء واشترطوا فيها نية القربة هي الوضوء والتيمم والأغسال المعروفة ، وأفردوا لهذه المجموعة بابا خاصا بعنوان « الطهارة » . وأيضا الصلاة والزكاة والخمس والصوم والحج ، ولكل واحد من هذه الموضوعات الخمسة باب مستقل في كتب الفقه . ولا يختلف فقيه مع آخر في أن ألفاظ العبادات بكاملها كالصوم والصلاة والحج والزكاة - قد أعطاها الإسلام مدلولا جديدا خاصا ، وان هذه الألفاظ قد أصبحت أسماء حقيقية للمعنى الجديد تستعمل فيه بلا قرينة ، كل هذا لا خلاف فيه ، وإنما الخلاف في نسبة هذه الحقيقة وتسميتها : هل ننسبها إلى الشارع ونسميها حقيقة شرعية لأن الوضع حدث في عهده لا من بعده ، أو ننسبها إلى المتشرعين الملتزمين بالدين وشريعته فقهاء كانوا أم أميين ، ونسميها حقيقة متشرعية لأن الوضع حدث بعد الشارع لا في عهده ؟ . هذا هو بالذات جوهر النزاع والصراع في الحقيقة الشرعية . . أما ثمرته وفائدته فتظهر - على حد قول المختلفين - فيما إذا وردت كلمة الصلاة وما إليها من العبادات في كلام الشارع بلا قرينة ، فبناء على أن هذه الحقيقة الموجودة بالفعل هي شرعية لا متشرعية - تحمل كلمة الشارع على المعنى الشرعي . وبناء على أنها متشرعية لا شرعية تحمل على المعنى اللغوي الذي كان قبل الشرع والشارع . وفي رأينا أن هذا النزاع لا جدوى منه إلا تكثير الكلام ، إذ لا يرتبط به أي حكم شرعي ، ولا تبتني عليه أية مسألة فقهية . ودليلنا على ذلك أقوال الفقهاء المختلفين أنفسهم ، وهي بين أيدينا ، فما وجدنا فقيها واحدا حمل لفظ الصلاة